حکمتيار: كانت حادثة كربلاء هجوما دمويا وعميقا على صدر الأمة الإسلامية
خطبة القائد المحترم المجاهد حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي في افغانستان (الجمعة 14 محرم 1444هـ، 21 أسد 1401هـ ش الموافق 12 أغسطس 2022م).
الحمد لله و كفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: فأعوذ باللّٰهِ من الشيطان الرجيم، بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ 134
البقرة: 134 صدق الله العظيم.
يقول الله تعالى:
تلك أمة قد مضت، ستحصل على ما كسبت وأنتم تحصلون على ما تكسبون ولا تسألون أنتم عن أعمالهم.
هذه الآية القصيرة هي عنوان الجزء الثاني من هذه السورة المباركة وهي تلخص كل محتويات هذا الجزء. لم يكتفِ بشرح هذا المبدأ الأساسي للدين، وهو أن كل شخص سيعاقب على أفعاله، ولن يُعاقب أحد من أجل شخص آخر، ولن يذهب أحدهم إلى الجنة بسبب أعمال الصالحة لغيره بل سيُكافأ الجميع على ما فعلوه. كل واحد يحمل حقيبة أعماله على كتفيه. وبهذا ترفض الافتراض الخاطئ وتصحح بأن النسبة إلى عباد الله الصالحين، بالقرابة والنسب لا ينفع وليس سببا في دخول الجنة ولا يستطيع أحد أن يحصل على امتيازات بهذه الطريقة ولا يوجد نسب في الدين، بل إن الإيمان والعمل مهمان، وهما الوسيلتان الرئيسيتان لرفاهية الإنسان ونجاحه. الورثة الحقيقيون للأنبياء هم المخلصون والصادقون لدينهم ومسؤولياتهم وواجباتهم. هذا هو الإرث الوحيد الذي يبقى لهذه الأجيال القادمة لا شيء آخر
هذه الآية توجه المسلمون إلى عدم الخوض في الخلافات، في الصالحين السابقين، مع الجهلة بل بدلاً من ذلك، يجب أن ينتبهوا لأفعالهم ، فالأمر الذي يخلصهم من العقاب هو أفعالهم وليس شيء غيرها.
تنبع معظم الاختلافات المذهبية من هذه العقلية بحيث ينسب البعض نفسه إلى شخصية صالحة كانت مقبولة في السابق والبعض ينسبه إلى شخصية أخرى، وحتى يكفر بعضهم البعض ويعتبره "مباح الدم". وأحيانا يقف مع الكافر وعدو الإسلام ويستمد منه العون، ضد هذا المسلم، الذي يؤمن بالله والنبي والقرآن ويصلي في نفس اتجاه القبلة التي يقبله باسم القبلة.
أيها الإخوة والأخوات!
شهد الأسبوع الماضي عدة حوادث دامية، قتل خلالها الأفغان المظلومون. تجاوز عدد الضحايا في التجمعات المتعلقة بعاشوراء عن 100 شخص، وتم أمس اغتيال العالم الشهير مولوي رحيم الله حقاني، مدرس مدرسة الحقانية واستشهد في اعتداء إرهابي. نسأل الله تعالى أن يخلص شعبنا المظلوم من شر القتلة المرتزقة إلى الأبد.
في العاشر من محرم رأينا بعض الناس في حالة حداد يرتدون ملابس سوداء ويجرحون صدورهم وظهورهم بالسلاسل والسياط، وظنوا أن هذا هو الطريق للوصول إلى الجنة والبعض كانوا يفجرون في تجمعاتهم ويعتبرونها سبيلاً للوصول إلى الجنة.
نحن نرثي ونشعر بحزن عميق ونتأثر لكليهما، لايوجد في الإسلام حداد ولا تفجيرات في المساجد ودور العبادة واجتماعات الجماعات المذهبية. استشهد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي العصر الذهبي للصحابة، شخصيات عظيمة ولكن لم يبك أحد على استشهادهم. بل كانوا يعتبرون استشهادهم فوزا عظيما، وبحسب القرآن كان أعظم رغبة الصحابة أن ينالوا الشهادة في سبيل الله. وكانت رغبة الإمام الحسين أيضًا أن يحصل المكانة العالية للشهادة.
حمزة رضي الله عنه، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائد وأمير غزوة أحد وبدر، وكان يتمتع بمكانة مرموقة نسبيا وإسلاميا، وزاد إسهامه في الدفاع عن الإسلام وتقويته ومن أبرز المدافعين عنه. ولم يكتف العدو باستشهاده في غزوة أحد، بل جعله العدو مثلة، لم يحزن ولم يبك أحد على الجثة. توفي عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم واحدًا تلو الآخر، بعد تسليم إمامة المسلمين وإمارتهم، استشهدوا في المسجد والمنزل. توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان وفاته مأساة كبيرة لا تعوض ومؤلمة للأمة الإسلامية، لكن لم يحزن أحد. وبعد زمن الصحابة، لم يسجل التاريخ أي مثال على مثل هذا الحداد لعدة قرون. ولكن حدث هذا الحداد بعد مدة طويلة. لا يعتبره شرعيا وجائزا،ً لاعلماء السنة ولا يحبذه علماء الشيعة. ولا نجد علماء في الدين يعتبرون هذا الحداد مباحا. فمحبة الإمام الحسين هو اتباع سنة جده واختيار قضيته ضد اليزيديين. والانتفاضة ضد الظالم ونخرج سيوفنا عن الغلاف. وليس أن نجرح أنفسنا بالسكاكين والسلاسل ونلون أنفسنا بالدماء.
يخبرنا القرآن: بأن الشهداء أحياء بالحياة الأبدية وقال:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 169 آل عمران 169
وقال: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ 154 البقرة 154
أي لن تعتبر الشهداء أمواتًا ولن تسميهم أمواتًا، لن تفكر في ذهنك أنهم ماتوا، ولن تقول في فمك إنهم ماتوا، بل هم على قيد الحياة؛ وأنتم لا تفهمون نوعية حياتهم.
ينصحنا القرآن بالصبر فيقول: إن الله يحب الصبر. ولا يحب الشكاوى وعدم الصبر يقول القرآن:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 153 البقرة 153
الإخوة والأخوات!
كانت حادثة كربلاء هجوما دمويا وعميقا على صدر الأمة الإسلامية. وحدث في هذه الحادثة، شهادة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم و حفيده الإمام الحسين رضي الله عنه واستشهدوا مضطهدين. الأمة كلها، سواء السنة والشيعة متفقة على إدانة هذه الجريمة النكراء. نهوض الإمام الحسين وقيامه على يزيد ورفض البيعة، عمل مطابق مع التعاليم الإسلامية، ولا يوجد أي خلاف في هذا الصدد في الأمة جمعاء. بل بدلا من ذلك، كل المذاهب متفقة بأن الطاعة والولاء لكل حاكم جائر، ومساندته عمل مخالف للتعاليم الإسلامية وسبب للخروج من دائرة الإسلام. وأول شخص في التاريخ الإسلامي، ورث الحكم بطريقة غير شرعية، واكتسب القوة بدون أن يختاره المسلمين ويعطيه الولاء دون تردد، كان يزيد. أجمعت الأمة على أنه لا توجد إمامة وراثية في الإسلام ولا حكم بالقوة. إذا كان هناك خلاف في ذلك، فهذا فقط فيما هو هل كانت الثقة بأهل الكوفة صحيحة؟ وهل كان من الأفضل أن يكون الإمام الحسين قد أقام في المدينة وقاتل مع يزيد برفقة الصحابة الآخرين، أو الذهاب إلى الكوفة؟ في الوقت الذي قام فيه سكان الكوفة باضطهاد وخيانة والده أمير المؤمنين علي رضي الله عنه؟ حتى الخوف من هؤلاء الخونة، أُجبر أصدقاؤه المقربون وأقاربه، بأن يدفنه في ظلام الليل وفي مكان مجهول، لم يعرف أحد مكان دفن علي رضي الله، كان أصدقاؤه يخشون أن يدنس خصومه قبره. كما خانوا الإمام الحسين، حيث دعوه للحضور إلى الكوفة، ويرافقه ويسانده في مقابلة يزيد، لكنهم تركوه وشأنه وابتعدوا عنه وعن دعمه.
أيها الإخوة والأخوات!
يجب الإجابة على عدة أسئلة تتعلق بعاشوراء:
هل اختير هذا الاسم نسبة لحادثة يوم كربلاء أو إلى حادثة يوم إنقاذ موسى ورفاقه من جيش فرعون؟
هل استشهد الإمام الحسين رضي الله عنه في العاشر من محرم أم في تاريخ آخر؟
هل الحزن على مثل هذه الأحداث وارتداء الملابس السوداء وضرب الوجه والجروح والنزيف بالسكاكين والسلاسل، جائز ويثاب عليه أم غير شرعي ويأثم عليه؟
في جواب السؤال الأول نقول: إنه الشهر الأول واليوم العاشر من السنة القمرية وهو مذكور في الكتاب المقدس باسم (عيد الفصح) يحتفل به اليهود والمسيحيون كيوم مقدس. يعتقد اليهود أنه في هذا اليوم نجا موسى وبنوا إسرائيل من ظلم فرعون. يقول الكتاب المقدس هذا تحت عنوان الفصح: قال الله لموسى وهارون: من الآن فصاعدًا، سيكون هذا الشهر هو أول وأهم شهر في السنة بالنسبة لكما ... كل عام في العاشر من هذا الشهر، كل عائلة يربي لها خروفا ويجهزه، إذا كان عدد الأسرة صغيرً، في حيها ستنضم إليها عائلة صغيرة أخرى، ويكون هذا الحمل ذكرًا، بدون عيب ويبلغ من العمر عامًا واحدًا وفي عصر اليوم الرابع عشر من نفس الشهر، يضحي به جميع الإسرائيليين ، وترش دمائه على عواميد الأبواب: توضع الأسهم على أبواب الغرف التي يؤكل فيها لحم الماعز، .. هذه البوابات الملونة بالدم تكون علامة على أنه عندما يأتي الله إلى مصر، ليقتل أبناء الفراعنة، يتعرف من خلال هذه العلامة على منازل الإسرائيليين ويمتنع عن دخول منازلهم وقتل أبنائهم.
وإذا راجعتم إلى روايات عاشوراء التي جاءت في كثير من كتب الحديث، تشير إلى أن هذا الموضوع ويوم عاشوراء عند المسلمين، حدث عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ورأى اليهود يحتفلون بهذا اليوم. سأل لماذا يحتفلون؟ فلما علم قال: نحن أحق بموسى عليه السلام، من غيرنا. سنحتفل بهذا اليوم بالصوم.
بمعنى آخر، من المعروف من الكتاب المقدس أن العاشر من محرم كان يعتبر يومًا مقدسًا وأيضًا من بعض الرويات التي تقول: كان يهود المدينة المنورة يحتفلون بهذا اليوم.
جواب السؤال الثاني:
تعددت الروايات التاريخية، في هذا الصدد، عن انتقال الإمام الحسين رضي الله عنه تارةً من مكة إلى الكوفة، وأحيانًا إلى كربلاء، واستشهاده. بالطبع لا خلاف على أن الإمام الحسين قبل سفره إلى الكوفة، نزل إلى مكة في موسم الحج وأنه طاف وسعى وأكمل هو وأفراد أسرته مراسم الحج ومناسكه، ثم توجه نحو كربلاء. وروى أهل الشيعة أنه لم يؤد إلا العمرة وغادر إلى الكوفة في الثامن من ذي الحجة. كبار الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير نصحه بالامتناع عن هذه الرحلة وعدم الثقة بأهل الكوفة ووعودهم لأنهم ليسوا أهلا للثقة. فإما أن يقيم بمكة أو يذهب إلى اليمن ويقود من هناك الانتفاضة ضد يزيد. وأكدوا أن الشعب سيجتمع تحت قيادته. لكنه لم يقبل وأرسل مسلم بن عقيل إلى الكوفة وهذا أيضًا على الطلب المتكرر من الكوفيين، فرحب به أهل كوفة أحسن ترحيب، وأكدوا في رسالتهم للإمام الحسين صداقة الكوفيين. لكن لم تمض أيام قليلة إذ قتل أتباع يزيد، مسلم بن عقيل وقطعوا رأسه أمام الناس. ولكن قبل أن يصل نبأ استشهاد مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين رضي الله عنه، توجه نحو الكوفة ولم يلتفت الإمام الحسين رضي الله عنه إلى نصيحة عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، حتى أنه لم يتفق معهما في أنه إذا قرر الذهاب فلا يجب أن يصطحب معه النساء وأطفال الأسرة.
من الطبيعي أن يكون قد بدأ الرحلة بعد مراسم الحج وبعد 13 ذي الحجة على أقل التقدير. إلا أن هناك بعض روايات أهل الشيعة تقول: إن الإمام الحسين لم يؤد إلا العمرة، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة تقدم نحو الكوفة. ويبدو صعوبة قبول هذا الرأي بأن الإمام الحسين وأفراد أسرته ورفاقه في القافلة أن يكتفوا بالعمرة فقط وفي أيام الحج وبدء الرحلة قبل إتمام مناسك الحج. على كل حال؛ المسافة الجوية بين مكة المكرمة وكربلاء 1350 كيلومترا على الخط المستقيم وإذا أخذنا في الاعتبار سطح الطريق برا، فهذه المسافة تزيد عن 1500 كم. القافلة مع النساء والأطفال ويسافرون على الإبل، لا تستطيع السفر أكثر من 30 كيلومترًا في اليوم، وتعتبر الرحلة التي تستغرق ثلاثة أيام للمسافر حوالي 80 كيلومترًا، أي حوالي 27 كيلومترًا في اليوم، تستغرق الرحلة بين مكة وكربلاء حوالي 50 يوماً. بينما هناك 26 يومًا من 14 ذي الحجة إلى العاشر من محرم، في هذه الأيام الستة والعشرين، لا يمكن قطع نصف هذه المسافة. أم نقبل الروايات التي أدى بها الإمام الحسين رضي الله عنه، فريضة الحج في نفس العام وبعد الحج اتجه نحو الكوفة فهل يصح؟ وبلغ كربلاء في شهر صفر. ثم تمت مهاجمة قافلته واستشهد. وذلك لأن قافلته لا بد أنها سافرت لمدة خمسين يومًا على الأقل ووصلت كربلاء في شهر صفر. وإذا لم نقبل هذه الروايات فعلينا البحث عن الروايات تثبت أنه بدأ رحلته من مكة قبل 20 يومًا على الأقل من ذي الحجة واستشهد في كربلاء في العاشر من محرم! لكننا لا نجد مثل هذه الروايات.
جواب السؤال الثالث:
مثل هذا الحداد ليس جائزًا على الموتى فحسب، بل إنه يتعارض مع المبادئ الأساسية للإسلام. كما أنه يمكن للناس أن يأتوا إلى منزل أقارب الميت للتعبير عن احترامهم وتعزيتهم ولا يسمح جيرانهم لهم، حتى يضطر ورثة المتوفى إلى تجهيز الطعام في منزلهم. حرم الإسلام مثل هذا الفزع والحزن وأن يصفع المرء وجهه ورأسه وينتف الشعر، ويشق الجيوب ويثير التراب على رأسه، مثل هذا الحداد يتعارض مع الإيمان بأن الموت والحياة يقررهما الله تعالى، وبما أن تاريخ الوفاة قد تم تحديده ، فإن الشهيد حي، والموت ليس نهاية الحياة بل بداية حياة جديدة. مع الموت نحن نرحل إلى جانب ربنا والاستشهاد في سبيل الله نصر عظيم ونصر فهل هذا الإيمان يسمح لأحد أن يبكي بالشهداء؟ ! والقرآن يأمر المؤمنين عند وقوع المصيبة أن يقولو: إنا لله وإنا إليه راجعون. شعار الرضى، لا الشكاوي ولا خوف ولا حداد ! نصحنا القرآن بالصبر على المصائب والحزن. وعلى كل مسلم أن يمتنع عن فعل ذلك. الدين كامل، لا حق لأحد في الإضافة أو طرح شيء منه.
دعونا نرى ما يقال في الروايات عن عاشوراء. الروايات حول عاشورا متضاربة للغاية. لدرجة أنه من المكلف للغاية اختيار واحد منها، إن لم يكن مستحيلًا.
رواية البخاري في عاشوراء:
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ.
تتضح التناقضات والاختلافات العميقة في هذه الروايات ، ومنها ما يلي:
يقول البعض إن قريشا، أيضًا صام يوم عاشوراء ، كما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الوقت. وكان قريش يلبس كسوة جديدة للكعبة في هذا اليوم!
فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة كان يصوم هذا اليوم ويوصي الآخرين بالصيام. فلما وجب صيام رمضان، ترك صوم هذا اليوم. والبعض يقول إنه لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رأى اليهود يصومون هذا اليوم سأل لماذا يصومون هذا اليوم؟ قالوا: هذا يوم عظيم غرق فيه فرعون وهزم ونجا موسى عليه السلام وفاز، ونحن نصوم تكريما لهذا اليوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إننا أحق من اليهود أن نحترم هذا اليوم ، فابتدأ هو نفسه بالصيام وأمر الآخرين بذلك.
ويقول البعض: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بقليل فقيل له: هذه مشابهة باليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى ينهي التشابه، لو بقيت لأصومن التاسوعاء، في السنة القادمة، لكنه توفي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يأتي ذلك اليوم مرة أخرى!
والبعض يقول: كان اليهود يحتفلون بهذا اليوم كيوم العيد والسعادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخالفة اليهود: صوموا هذا اليوم!
والبعض يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن فجر يوم عاشوراء وأرسل من يطلع على الناس ويخبرهم: على من لم يأكل أن يستمر في الصيام، ومن أكل فلا يأكل حتى المساء!
ومنهم من يقول: إن هذا الصوم كان واجباً حتى صار الصيام رمضان واجباً ولكن بعد فرض الصيام ترك، وأضاف بعضهم إلى هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل إنسان حر أن يصوم هذا اليوم أم لا. كما قيل في إحداها أن قريش كانوا يصومون ويغيرون كسوة الكعبة المشرفة في هذا اليوم!
من الصعب بل من المستحيل اختيار إحدى هذه الروايات المتضاربة، ولم يقل الإمام البخاري رحمه الله أي من هذه الروايات المتضاربة والمتناقضة هي الصحيحة وأفضل من غيرها من حيث النص والمضمون والإسناد. وبأي الدليل ولم يبد البخاري أي تعليق ولا يمكن القول بأن أي رواية أفضل من غيرها!
يجب اعتبار مبدأ أنه عندما نجد روايات متضاربة ومتناقضة حول موضوع ما، فإن أحدها يرفض ادعاء الآخر، ولا يمكن التوفيق بينها، ولا يوجد سبب لتفضيل أحدهما على الآخر. ولا نجد شاهدا عليه في القرآن. ولم نجد أي تفضيل في هذه الروايات، لذلك من الأفضل تركها جميعًا جانبًا، وعدم الاعتماد عليها، وعدم إخبارها للآخرين، وعدم اختيار أي منهم وفقًا لهواه.
أيها الإخوة والأخوات!
في نهوض ومخالفة الإمام الحسين رضي الله عنه وحدث كربلاء التاريخي، لنا فيه عدة رسائل وتعليمات:
لم يقتصر الأمر على عدم الصحبة مع الحاكم الجائر وعدم القبول بحكمه، بل اختيار طريق الانتفاضة ضده.
هو وأصحابه الذين قتلوا في هذه الانتفاضة، هم شهداء في سبيل الله ومن انضموا إلى الظالمين عليهم أو كان لهم يد في قتلهم وساعد الظالمين، ارتكبت جريمة كبرى وجريمة قتل عمد والعقوبة هي نفسها كما هو موصوف في القرآن.
وعندما نواجه مثل هذا الموقف كما حصل للإمام الحسين رضي الله عنه، ففي مثل هذه الظروف، سنفعل نفس الشيء الذي فعله الإمام الحسين، حتى لو نتج عن ذلك استشهادنا نحن وأفراد عائلتنا.
تعالوا واستعدوا لخلاص الأمة كما فعل الإمام الحسين رضي الله عنه. دعونا نتخلص من خلافاتنا الفكرية والأخلاقية والمذهبية ونتفق على القرآن، فلنستخدم لساننا ويدنا وسيفنا ضد أعداء خطيرين من الدرجة الأولى الذين جلبوا لنا هذا الوضع السيئ، والليل المظلم والنهار الدامي على الأمة الإسلامية. لا يسمح لنا الإيمان أن ننسى العدو الرئيسي وأن نتورط في خلافات داخلية صغيرة، ولا الحكمة، والحكمة هو الامتناع عن أي كلام أو عمل من شأنه إحداث الفرقة والشقاق بين المسلمين والإضرار بالوحدة. تعالوا نحل الخلافات الدقيقة والمذهبية ببرودة صدورنا ومن خلال المنطق. إذا عملنا حسب تعليمات الله، ونبذ كل خلاف في كل جزء من الحياة. والرجوع إلى القرآن وأن اتخاذ القرار النهائي للقرآن، فيتم القضاء على جميع الاختلافات. لقد أمر الله تعالى على هذا، وأخبرنا بكلمات واضحة: إذا اختلفتم في شيء، فردوه إلى الله ورسوله، لذلك فالحكم يرجع إلى الله تعالى وكتابه. هذا هو مطلب الإيمان وهذا هو السبيل الوحيد لإنهاء الخلافات وضمان الوحدة. داعيا أتباع كل المذاهب لاختيار هذا الطريق.
نسأل الله أن يأتي باليوم الذي يستعيد فيه مجد الأمة الإسلامية وعظمتها، ووحدتها آمين.
سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ.
