حکمتيار: يقول القرآن أن هذا الكون خلق من كتلة واحدة، توسعت تدريجيا وتبنت شكلها الحالي
المترجم: الاخ حامد جويا - ترکيا
خطبة القائد المحترم المجاهد حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي في افغانستان (الجمعة 23 ذي الحجة 1443هـ، 31 السرطان 1401هـ ش الموافق 22 جولاي 2022م).
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: فأعوذ باللّٰهِ من الشيطان الرجيم، بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ.
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون) الأنبياء 30.
يقول الله تعالى: ألم يلاحظ الكفار أن السماوات والأرض كانتا متلاصقتين ففصلناهما، وأننا خلقنا كل مخلوق حي من (الماء) أفلا يؤمنون؟!
أيها الإخوة والأخوات
قبل أن نفسر هذه الآية القرآنية، دعونا أولاً نعلق على الصورة التي نشرتها وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، الأسبوع الماضي. هذه الصورة كانت صورة دقيقة للغاية لجزء صغير من الكون. التقطت بواسطة تلسكوب جيمس ويب، الذي كلف أكثر من 10 مليارات دولار، واستغرق تصنيعه 25 عامًا، وفي الأسبوع الماضي، في 11 يوليو، تمكنت ناسا من الحصول على صوره الأولى ونشرها.
كان الغرض الرئيسي من بناء هذا التلسكوب وإرساله إلى الفضاء وفكرته، هو الحصول على صورة دقيقة وملونة لجزء كبير نسبيًا من الكون، يستطيع بواسطة أول انفجار له، يسمى الانفجار العظيم ( (Big Bang تحديد الحالة الأولية للكائنات. يعد هذا الانفجار، بداية سلسلة خلق وتوسيع هذا الكون وخُلق النجوم والمجرات في الكون.
تقول نظرية الانفجار العظيم: كل هذه الأشياء من الكون التي نراها اليوم في السماء، كانت متلاصقة قبل الانفجار وتم فصلها مع هذا الانفجار ومرت ما يقارب من 13.8 مليار سنة، إلى أن اتخذ شكله الحالي.
أرسل تلسكوب جيمس ويب في الحادي عشر من تموز (يوليو)، أول صورة ملونة لجزء من الكون إلى الأرض، والتي، تساعد الشخص على فهم اتساع وعظمة الكون. يمكنك أن ترى في هذه الصورة، مجرات من النجوم على بعد 13 مليار سنة ضوئية من الأرض، يوجد فيها أكثر من مائة مليار نجم، لكن في الصورة ، يبدو وكأنه طرف ظفر إصبع صغير. هناك ما بين اثنين إلى أربعة تريليونات (من اثنين إلى أربعة آلاف مليار) نجم في هذا الكون. هذه هي الأعداد التقديرية لعدة سنوات. ومن غير المعروف أنه كم سيتم اكتشاف المزيد في السنوات القليلة القادمة. هناك نجوم في الكون اختفت منذ ملايين السنين. لكننا ما زلنا نرى نورها. وهناك نجوم أيضًا تبعد بسرعة عن الأرض، لا يصل إلينا نورها أبدًا، من هذه الصورة نستطيع أن نفهم عظمة الكون. ومنها ندرك كم تكون مدى عظمة خالقه، الذي خلق هذا الكون ويقوم برعايته وحمايته. كل شيء يخضع لحكمه ويتابع نفس المسار الذي اختاره له خالقه. بالتأكيد هذا عمل عظيم وهام، يمكن أن يساعد الإنسان في معرفة العالم بصورة جيدة.
لهذا التلسكوب عدة وظائف مهمة:
1- الاكتشافات الأخرى، لأولى (المجرات) التي تشكلت مباشرة بعد الانفجار العظيم. 2- دراسة تكوين وتكامل مجرات النجوم.
3- كيفية تكوين النجوم والقمر.
4- كيف ومتى نشأت الحياة وما هو أصلها وهل هناك حيوانات في النجوم الأخرى غير الأرض؟
تم وضع تلسكوب جيمس ويب في مدار يبعد عن الأرض حوالي مليون ونصف مليون كيلومتر، أي ما يقارب أربعة أضعاف بُعد القمر عن الأرض.
وقبل هذا، كان تلسكوب هابل يقع على مسافة 400 ألف كيلومتر تقريبًا من الأرض، ولم تكن الصور التي أرسلها تلسكوب هابل دقيقة وواضحة مثل جيمس ويب.
تم إنشاء James Webb بمساعدة وتعاون العديد من المراكز والمؤسسات العلمية في العالم. أنفقت عليه ناسا، عشرة مليارات دولار، كما أنفقت عليه وكالات الفضاء البريطانية والكندية أكثر من مليار دولار، وبعد ما يقارب من 25 عامًا ، تمكنوا من إكماله وإرسال الصور الأولى إلى الأرض.
يحق لأمريكا وشعبها أن يفتخروا بهذا الإنجاز العلمي الفريد، ولكن ليس بقدر ما قال جو بايدن الموجود في البيت الأبيض أمام العالم كله (اليوم): إن تلسكوب جيمس ويب، أثبت أن أمريكا تستطيع أن تفعل كل ما تشاء أن تفعله! وفي اليوم التالي تم إبلاغ الصحافة بالبيت الأبيض أن السيد الرئيس مصاب بكورونا. يعني أن أمريكا غير قادرة على محاربة فيروس لا يمكن رؤيته بالعين المجردة حتى ولو تم تكبيره آلاف المرات.
الحقيقة أن هناك العديد من الأشياء التي لم يكن بمقدور أمريكا وشعبها القيام بها فقط، بل عجزت عنها كل شعوب العالم وسيعجزوا.
نستطيع القول أن قيمة هذه الصورة هي بمثابة صورة لصفحة واحدة من كتاب المعرفة الكبير والضخم. بينما لم يعرف بعد ما هو مكتوب على هذه الصفحة! وذلك مثله مثل شخص كان في غابة الأمازون العظيمة، التي تبلغ مساحتها حوالي ستة ملايين كيلومتر مربع، ويوجد فيها ما يقارب من 400 مليار شجرة، وأن أحدا من المصورين المحترفين، التقط صورة ملونة لعدة أشجار في زاوية صغيرة منها، ثم يقول بناءً على هذه الصورة: أستطيع فعل أي شيء أريده! في حين أنه لا يعرف عدد الأشجار الموجودة في هذه الغابة العظيمة، كما أن تاريخ ووقت غرس ووجود هذه الأشجار غير معروفة بالكامل، وهناك حاجة إلى مزيد من العمل لمعرفة متى وكيف تم نمو كل ورقة من هذه الأشجار. إذا كتبنا نجمة في كل صفحة، اعتبرت كل خلية في الورقة كنجمة والشجرة كمجموعة من المجرات النجمية، فهذا المصور الخبير صور فقط جزء صغيرا من الكون. لا يحب الله الكبر، ويدمر كبرياء المتكبرين بسرعة، إذا كان هناك غطرسة وكبرياء بسبب الثروة، وكبرياء للسلطة، وكبرياء أكاديمي، يقول القرآن للإنسان: علمك قليل جدًا، وصغير، مثله مثل شخص أدخل إصبعه في بحر كبير وسحبه مع بعض البلل، وقال عن علم البشر المحدود:
(... وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا) الإسراء 85 .... وأنتم أيها الناس لم تعطوا إلا القليل من المعرفة.
يريد هذا التلسكوب أن يرى الكون في الحالة التي كان عمره فيها 400 ألف سنة تقريبًا، أي لاكتشاف وتسجيل صورة الوقت الذي لم يتم فيه العثور على شيء في الكون يمكن رؤيته بالعين المجردة، لم تكن هناك نجوم فلكية ولا عناصر ومركبات. ولم يكن هناك سوى انفجار عظيم ومشاهد غير مرئية لمجرات النجوم. وبعد مرور 13.8 مليار سنة، الكتل غير المرئية، اتخذت الوضع والشكل الحالي. لو أصبح التلسكوب قادرًا على اكتشاف وتسجيل الإشعاع المتبقي في ذلك الوقت، سيظهر للإنسان كيفية شكل الكون في ذلك الوقت، وكيف تغير من الحالة الأولية إلى الحالة الراهنة وما هي المراحل والأدوار التي مرّ بها؟
سيحاول جيمس ويب أيضًا العثور على كواكب شبيهة بالأرض، يتشابه حجمها وتكوينها ولونها مع الأرض، تحتوي على جميع المواد الموجودة في الغلاف الجوي للأرض، بما في ذلك بخار الماء وثاني أكسيد الكربون. بناءً على هذه المعلومات، سيقومون بإجراء المزيد من الأبحاث حول هذه النجوم لمعرفة ما إذا كانت هناك أي احتمالات للحياة فيها أم لا؟ وضع علامة على عشر نجوم، يمكن لجيمس ويب اكتشاف وتسجيل درجة حرارة سطح النجوم، بناءً على هذه المعلومات، يمكن تحديد ما إذا كان هناك طقس معتدل ودرجة حرارة مناسبة للحياة، وهل توجد فرص للحياة أم لا؟
يمكن لهذا التلسكوب أيضًا مراقبة حالة نظامنا الشمسي، خاصة تلك الأشياء والنيازك التي تسقط نحو الأرض، بسرعة كبيرة، لو سقطت مباشرة على الأرض، ستحدث كارثة كبيرة وسيتم تدمير جزء كبير وواسع من الأرض، كما حصل قبل بضعة ملايين من السنين، وسقط نيزك وقطع نسل الديناصورات. يمكن للبشر بواسطة هذه المعلومات، اتخاذ التدابير اللازمة لمنع مثل هذه الكوارث.
أيها الإخوة والأخوات
في الآية التي قرأتها في بداية الخطبة، تم ذكر قضيتين تتعلقان بمهمة جيمس ويب: 1- كيف خلقت هذه الكائنات؟ في أي حال كانوا قبل الولادة، ماذا حدث حتى ظهرت كل هذه النجوم والمجرات في الكون؟ 2- ما هو جوهر خلق الحيوانات؟
دعونا نلقي نظرة على هذه الآية، وجاءت ترجمة الآية على النحو التالي:
"ألم يلاحظ الكفار أن السماوات والأرض كانتا مجتمعة معًا وفصلناهما، وأننا خلقنا كل كائن حي من (الماء) ، أفلا يؤمنون ؟!"
نجد عدة تعليمات وإرشادات مهمة في هذه الآية:
يقول بوضوح وصراحة شديدين إن كل الكون أعلاه، الأرض والشمس والسماء وكل الأجرام السماوية كانت مجتمعة وفصلها الله تعالى بانفجار وأعطاها شكلها الحالي. معنى رِتَق: الاتصال والجمع، ومعنى (الفتق) التفريق والانفصال وبشدة. أي كل شيء في العالم، سواء كان في السماء أو على الأرض، في البداية كان مجتمعا ومتصلا وفصلها الله تعالى بعضها عن بعض.
المادة الأولى والأساسية لجميع الكائنات الحية هي الماء. خلق الله كل الكائنات الحية من الماء.
هاتان الآيتان من القرآن كافيتان للاعتقاد والإيمان. قدم القرآن هذه الأخبار منذ أربعة عشر قرنًا ونصف. لقد فهمها العلم اليوم. نظرية الانفجار العظيم؛ وبناءً على هذه النظرية، تم إرسال تلسكوب جيمس ويب إلى الفضاء وانتظار هذا التلسكوب لتسجيل صور المراحل الأولى من تكوين الكون ونقلها إلى الأرض، وسيرى البشر بأعينهم أن هذا العالم الشاسع كان صغيرًا جدًا في البداية، وتم توسيعه وتضخيمه تدريجيًا، يبحث جيمس ويب عن الماء ليجد الحيوانات في النجوم الأخرى، وقد قال القرآن نفس الشيء منذ زمن طويل وهو أن جميع الحيوانات خلقت من الماء. بمعنى آخر، الماء هو المادة الأساسية لولادة الحيوانات وخلقها. الحياة فقط توجد في النجوم التي تحتوي على ماء.
يقول العلم: هذا العالم في حالة توسع مستمر وبسرعة الضوء؛ 300.000 كيلومتر في الثانية، أي منذ اليوم الأول للخلق وحتى الآن، توسعت بنفس السرعة واختارت حالتها الحالية، كلما نظرنا إلى الوراء، نجد العالم أصغر مما هو الموجود اليوم. الاستنتاج المنطقي هو أنه قبل 13.8 مليار سنة، ينبغي أن يكون هذا العالم بحجم كتلة صغيرة. سيقدم جيمس ويب هذه الحقيقة أمامنا في صورة، لكن القرآن ذكر نفس الحقيقة منذ أربعة عشر قرنًا ونصف. موضحا بهذه الكلمات:
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) الذاريات 47. أي خلقنا السماء بأيدينا ونحن الموسعون.
أي أن الله خلق كل شيء، لا أحد يقدر أن يخلق شيئاً إلا الله. القرار الحاسم والنهائي للعلم هو أنه لا يمكن لأي إنسان أن يخلق شيئًا أو يدمر شيئا. عمله هو فقط تحويل شيء ما إلى شيء آخر، يمكن حرق الخشب. لكن لا يمكن القضاء عليه بالكامل، عن طريق حرقه، تحول فقط إلى رماد وغازات وطاقة حرارية.
هذه الآية المباركة تقدم لنا إعجازاً علمياً كبيراً للقرآن وتقول: الله خلق السماء وهو يوسعها. أي أن الله تعالى أعطى هذا العالم توسعًا مستمرًا منذ يوم إنشائه!
يقول العلم إن هذا العالم يتوسع بشكل سريع ومستمر بعد أول انفجار للخليقة حتى الآن، والنجوم فيما بينها والنجوم التابعة لكل نجم تبعد بعضها عن بعض، وبالتالي يتوسع الكون، ويقول: بعض النجوم تبعد عن الأرض بسرعة لم يعد بالإمكان وصول نورها إلينا. أي أن سرعتها أكبر من سرعة النور! وهذا يوافق ما قاله القرآن قبل أربعة عشر قرنا، والعلم يفهمه اليوم! كل عالم نزيه وكل شخص ذكي سوف يعترف بأن هذه معجزة علمية أخرى للقرآن.
يجب أن ندرك أن هذه النظرية لها بعض الملحقات والمتطلبات، وهي التي تجبرنا على تصديق بعض الأقوال التي تستند إلى هذه النظرية:
1- الأول: هو أنه في مرحلة ما ستزداد المسافة بين أشياء العالم تدريجياً وتصل إلى هذه المرحلة التي يضعف التجاذب بينها وينتج عن ذلك انفصالها وهذا هو الوضع الذي يسميه القرآن، القيامة ويقول أن النجوم تنتشر وتسقط، وتختفي، أي أن قوة الجاذبية التي أبقت هذه النجوم في مداراتها ومنعتها من الانهيار والسقوط ستضعف.
2- المطلب الآخر والذي ينتج من هذه النظرية، هو أننا إذا نظرنا اليوم إلى الوراء وبقدر ما نستطيع، سنجد العالم صغيرًا ومحدودًا. بالنظر إلى حقيقة أن الكون قد توسع باستمرار، توصل الباحثون وأولئك الذين لديهم رأي علمي عميق إلى نتيجة مفادها أننا إذا نظرنا إلى الوراء بقدر ما نستطيع واكتشفنا حجم الكون قبل بضعة ملايين من السنين، فسوف نجد الكون أصغر ونرى اتساعه وحجمه، ونصل إلى مرحلة يكون فيها الكون كله مجرد كتلة واحدة، وهذه هي الحقيقة نفسها التي ذكرها القرآن والعلم أكدها.
يقول العلماء: إذا زادت المسافة الحالية قليلاً، بين قلب (مركز) الذرة والإلكترونات التي تنتشر حولها، فإن حجم الأرض سيزداد بملايين المرات من الحجم الحالي، وإذا قللنا هذه المسافة قليلاً من الحجم الحالي، فسيكون حجمها جزءًا من المليون من الحجم الحالي. المسافة الحالية بين الإلكترون والبروتون في الذرة مرتبطة بقوة جذب البروتون وقوة هروب الإلكترون. وتؤدي النسبة بين هاتين القوتين إلى المسافة الحالية بينهما. ويسبب التغيير في القوة تغييرا في حجم الذرة، والتغير الطبيعي في حجم الذرة يؤدي إلى زيادة كبيرة أو نقصان في حجم الجسم.
يقول القرآن أن هذا الكون خلق من كتلة واحدة، توسعت تدريجيا وتبنت شكلها الحالي، وهذا ليس شيئًا عاديًا أو بسيطا، بل يعرف قيمته وأهميته جيدًا، أولئك الذين أجروا بحثًا وتحقيقا علميًا عميقًا حول خلق العالم، وبعد سنوات من البحث، توصلوا إلى النتيجة المذكورة في الآية أعلاه، وإذا وضعت هذه الآية من القرآن أمام عالم كهذا وقلت له: ذكر في كتابنا الديني منذ أربعة عشر قرنًا ونصف: أن السماوات والأرض كانتا متصلتين ببعضهما البعض وفصلهما الله تعالى. وأن هذا العالم يتوسع باستمرار منذ اليوم الأول للخلق وحتى اليوم. ولذلك بالطبع سوف يعترف بالتأكيد أن الإنسان لم يستطع قبل القرن العشرين، أن يلقى مثل هذا الخطاب العلمي والدقيق حول خلق العالم، فسيكون هذا الأمر مفاجئًا له، على الأقل، لدرجة أنه سيحرمه من القدرة على قول شيء.
سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ.
