حکمتيار: هيمنة الأغنياء على المجتمع وحماية مصالحهم على حساب الإضرار بمصالح وحقوق الأغلبية الفقيرة
تمت الترجمة بواسطة الاخ حامد جویا- ترکیا
خطبة القائد المحترم المجاهد حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي في افغانستان (الجمعة 8 شعبان 1443هـ، 20 الحوت 1400هـ ش الموافق 11 مارس 2022م).
الحمد للّٰهِ وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: أعوذ باللّٰهِ من الشيطان الرجيم، بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
(... وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) المائدة 64 صدق الله العظيم يقول القرآن الكريم في هذه الآية:
لقد ألقى الله، العداوة والبغضاء بين (مختلف قبائل) أهل الكتاب، حتى يوم القيامة، وكلما أشعلوا نار الحرب، أطفأها الله، لأنهم يحاولون خلق الفساد في الأرض، بينما الله لا يحب الفساد ولا المفسدين.
أي أن أهل الكتاب بسبب بعدهم عن الله والانحراف عن الدين، دائمًا يتسببون في الحرب بينهم وبين الآخرين، والله لا يترك استفزازاتهم وإشعالهم للحروب بغير رد، وذلك بتأييد من يقعون ضحية استفزازاتهم وحروبهم، والمعاقبة وهزيمة من قام بإشعال النار، كما رأينا أمثلة هذه السنة الإلهية الثابتة في جميع الحروب التي شنها الغرب تحت راية الصليب.
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء
الغرب وتحت علم الصليب، فرض أنظمة على جزء من العالم، لا يمكن بقاؤها، إلا بالحروب، فبقاؤها ودوامها مرتبط بالحرب. فتقدمه الباهر وحضارته المزهرة، مرهون ومدين لعائدات الحروب فقط. فلو خمدت نيران الحروب وبالذات التي انتهت نتيجة هزيمته، فإنه من المستحيل أن يستمر هذا التقدم ولو لوقت قصير، ومانعا من الهبوط والسقوط المحتوم.
بريطانيا الصغيرة، تحولت إلى بريطانيا العظمى، نتيجة الانتصارات في الحروب وأصبحت إمبراطورية هائلة ومهيبة، ولكن نتيجة الهزيمة في الحروب وذلك أيضا على يد الأفغان المؤمنين والصامدين، بدأ زوالها ولُمَّت بساطها من أستراليا شرقا والولايات المتحدة غربا وتم زوالها بسرعة حيث رجعت و في بضع سنوات فقط، إلى ما كانت عليه وحوصرت في نفس الجزيرة الصغيرة، وأصبحت مستعمرة أمريكية. فلو انهزمت أوروبا وتحالفها العسكري الناتو بقيادة الولايات المتحدة، وبعد الهزيمة التي منيت بها في أفغانستان، وانهزمت أيضا في حرب أوكرانيا، وهو الأكثر احتمالا، وخضعت لجميع شروط ومطالب موسكو، فلن يبق حلف الناتو ولا التفوق الاقتصادي والسياسي والعسكري للغرب.
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء
الدول الغربية والأنظمة المهيمنة عليها، بعد حصولهم على البارود، في القرون العديدة، ليست فقط هي السبب الرئيسي للحروب الدموية في جميع أنحاء العالم وقتل أكثر من خمسمائة مليون شخص، بل بالأحرى، كانت هي السبب الجذري والوحيد للفقر والتخلف، والأنظمة الاستبدادية والعميلة، وفرض الأنظمة المعادية المحاربة للشعب.
ما نشاهده في البلدان المتخلفة من أفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، عن الحروب الدامية والمستمرة والانقلابات والأنظمة الديكتاتورية والحكومات الأجنبية والحكام الخونة والمفسدين، والفقر والجوع والمرض، كل هذا من إرث زمن كانت فيه هذه البلدان مستعمرات للغرب.
أكثر حصة من الدخل السنوي للبلدان الغربية، يأتي من بيع المعدات العسكرية، ويعتمد حوالي 17% من الاقتصاد الأمريكي على بيع المعدات العسكرية. ووفقًا للأرقام الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية في السنة المالية 2020م؛ الولايات المتحدة لديها عائدات سنوية تبلغ حوالي 170 مليار دولار من بيع المعدات العسكرية. العالم العربي هو سوق السلاح الأكثر ازدهارًا بالنسبة للغرب ككل، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
أعلن البنتاغون في أواخر عام 2018م أنه قام بتصدير معدات عسكرية أمريكية إلى دول الشرق الأوسط، وصلت إلى أكثر من 57 مليار دولار في نفس العام. هذا بالإضافة إلى المعدات التي اشترتها الدول العربية من البائعين الأوروبيين.
لو خمدت الحروب وتعرضت مصانع الأسلحة للتوقف ولو لفترة وجيزة، فسوف تواجه سوق المعدات العسكرية الغربية الركود، ولا شك في أن الغرب سيواجه أزمات اقتصادية حادة.
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء
أظهرت الأبحاث التي تم إجراؤها عن الفقر والجوع وأسبابهما، أنه إذا تم تخصيص حوالي 50 مليار دولار في السنة لحل مشكلة الفقر العالمي، ففي السنوات العشر القادمة، أي بحلول عام 2030م، سينتهي الجوع في العالم كله، وهذا يعادل الدخل السنوي لـ25 مصنع سلاح غربي فقط، وأقل من الإنفاق العسكري الأمريكي، في الحرب في السنة الواحدة في العراق وأفغانستان.
الغرب بالتزامن مع تفكك الاتحاد السوفيتي، والسيطرة على العالم الإسلامي برمته، وقمع تقدم الحركة الإسلامية التي اعتبرها الغرب تهديدا لاستمرار هيمنته على الدول الإسلامية، أولاً: خطط لحروب دموية وطويلة في البلاد الإسلامية، بدأت في أفغانستان وامتدت إلى العراق وليبيا وسوريا واليمن والجزائر والسودان وبورما. وفي أوروبا أيضا أشعلوا نيران الحرب، بدأت في يوغوسلافيا، أعطوها لونًا عرقيًا، تسببت في انهيار وتفكك هذا البلد. وفي حروب سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة وكوسوفو، كانت لحلف الناتو، فيها، الأيدي المرئية وغير المرئية ووفقًا لخطته.
كان برنامج الناتو هو مواصلة تقدمه في أوروبا الشرقية إلى حدود روسيا، إلى حد فصل المناطق التي كانت في الماضي تحت وصاية الاتحاد السوفيتي وتأثيره المباشر، وضمها إلى الناتو. بالإضافة إلى معاقبة الشخصيات المعادية لأمريكا، مثل المارشال تيتو ومعاقبة البلدان الحليفة للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.
كان أحد العوامل الرئيسية في حرب أوكرانيا، هو خطة الناتو للتقدم إلى الاتحاد السوفيتي السابق، الأمر الذي لم يكن مقبولاً بأي حال من الأحوال لدى موسكو، وكانت موسكو تتحين الفرصة المناسبة لمواجهتها. فهزيمة الناتو في أفغانستان، أتاحت هذه الفرصة لموسكو.
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء
في القرآن الكريم وجميع الكتب السماوية، كالتوراة والإنجيل والزبور، اعتبر الشيطان كرمز للشر والفساد والتحريض على الحرب والعداوة للإنسان والإنسانية. وينسب كل قبح وشر وفساد إلى الشيطان. يذكر القرآن مجموعتين وتقسم الشياطين إلى: 1- الشياطين من نوع الجن، 2- الشياطين بصورة الإنس.
كان للإنسان، منذ اليوم الأول لولادته، وفي داخله، محفزان داخليان للخير والشر، النفس المطمئنة، والنفس الأمارة بالسوء. وله قرينان خارجيان؛ بسم الملك والشيطان.
قرينه من الملائكة، يهديه ويحثه على الخير. وقرينه الإبليسي يأمره بالقبح والشر، ويحرمه من الخير والصلاح، فيجعله قبيحًا وشريرا، ويضع له الكمائن ويهاجمه من اليمين واليسار ويجعل الإنسان يحارب طبيعته ويعادي السنن الإلهية في الخلق.
الشيطان لا يمنعه من الأمر الذي يعتبره الدين ضررًا للإنسان، سواء كان مرتبطًا بنفسه أو بمجتمعه، أو يتعلق بقضاياه الاقتصادية والاجتماعية أو بشؤونه الأخلاقية والسلوكية. وسواء كان يتعلق بالنظام السياسي والاجتماعي أو بمسائل الإيمان والفكر، فالشيطان لا يحرمه ولا يعتبره في ضرر الإنسان، بل يعتبره سبب الخلود والديمومة وسبب الارتقاء والعلو، والشيء الذي هو مكروه ومثير للاشمئزاز من وجهة نظر الدين فينهي الإنسان عنه، أما الشيطان فيزينه ويجمله للبشر ويجعلهم يميلون إليه. فأي بقعة، يسيطر فيها أحد هذين الشيطانين، ستجد الوضع كالآتي:
1- يحكمها المتعطشون للحرب ومرتكبو الشر والفساد، وهدفهم من التحريض على الحرب ليس فقط أن يكونوا مسلطين، وأن يفرضوا الهيمنة على الآخرين، بل إيجاد سوق لبيع المعدات العسكرية ومنتجاتها المحلية، ولهذا الهدف السيئ يشعلون نيران الحروب الباردة والساخنة.
2. أسسه الاقتصادية لمجتمعه مبنية على الربح، والاحتكار، والقمار، والرشوة، والنهب، وحماية الأغنياء، واختلاس واستغلال حاجة الفقراء، والطبقة المحتاجة، وبقاء الثروة في أيدي الأثرياء، من الطبقة الحاكمة، وحرمان غالبية المجتمع من أهم احتياجاتهم الإنسانية.
3. الإعلانات التجارية الكاذبة والمضللة وحتى استخدام الجمال الأنثوي والصوت الجذاب والمحفز لجذب العملاء. إضفاء الشرعية على أي عمل مهما كان غير أخلاقي وغير إنساني؛ من أجل كسب الثروة، وحتى الدعارة وضياع العفة، من خلال مراكز الدعارة الرسمية واستخدام البرامج التلفزيونية وبث المسلسلات السيئة والمبتذلة والسماح بكل ما هو ممنوع في أي دين إلهي، وكل إنسان شريف يسميها عملا قبيحا مخالفا للطبيعة البشرية وفطرته السليمة.
4. ستكون الأسس السياسية والاجتماعية لهذا النظام على النحو التالي:
• النظام الطبقي والقبلي وهيمنة العرق والقبيلة وضمان وفرض تفوق الطبقة الحاكمة والقبيلة على الطبقة المحكومة.
• هيمنة الأغنياء على المجتمع وحماية مصالحهم على حساب الإضرار بمصالح وحقوق الأغلبية الفقيرة.
• تعيين وليس انتخاب أعضاء مجالس الشورى، وربما بسبب الضغوط الداخلية والخارجية، وإجراء انتخابات مزورة يتم التلاعب في نتائجها.
• إشعال الحروب الباردة والساخنة، علنية وسرية للوصول إلى السلطة والقضاء على المعارضين العرقيين والسياسيين.
• ضمان انتصار صاحب المزيد من الموارد المالية والدعائية وأنصاره الخارجيين الأقوياء والمسيطرون على وسائل الدعاية.
5- سوف تجد المجتمع الذي يغلب عليه الجن والشياطين البشرية من حيث المكانة والمؤسسات الثقافية على النحو التالي:
• العلاقات الجنسية الحرة وغير المقيدة والقضاء على جميع التقاليد والأعراف الأخلاقية والدينية والقواعد التي تنظم هذه العلاقات وتضعها في نطاق القانون.
• تشجيع الناس على شرب الخمر وكل ما يخرج الإنسان من حالته الطبيعية ويسكره ويضر بصحته؛ ويشجعه على الأشياء التي يكرهها في حالته الطبيعية، وغالبًا ما تؤدي إلى تجاوز الحدود الأخلاقية والإنسانية والتسبب في الصراعات بل معظم الصراعات بين الإنسان والحيوان والطيور، بسبب هذه العوامل الرئيسية.
في الدول الغربية، تنبع معظم الاشتباكات وحوادث القتل من الاغتصاب والاعتداءات الجنسية. الاغتصاب والاعتداءات الجنسية في إحدى عواصم الدول الغربية، أكثر من عددها في الدول الآسيوية مجتمعة.
جاء في الروايات الحديثية: أن أي أرض ينتشر فيها الزنا، يشيع ويعم فيها القتل.
• التشجيع على الموسيقى (في حالة سكر مع قصائد وأغاني مثيرة للشهوة)، يجعل الرجل يخون زوجته وتخون المرأة زوجها وأولادها، الأمر الذي يحطم أساس الأسرة. الضرب بأرجل ورقصات مختلطة، شبه عارية، مع المكياج المتكلف، تكون نتيجته هي نفسها التي نراها في المجتمع الغربي اليوم. تفكك الأسرة وعدم الاهتمام بتكوين أسرة، حتى تجاوز حدود الشذوذ الجنسي.
• الرياضة؛ هذه الضرورة الإنسانية والضمان لصحة الإنسان، تحولت إلى سلعة في أيدي الأغنياء بطريقة التجارة واكتساب الثروة، يتم بيع وشراء الممثلين في هذا المجال؛ يدفعون لهم الثمن، ويفرضون رسوما مقابل مشاهدة المباريات الرياضية. الرياضة والموسيقى والرقصات والركل صارت شائعة جدًا، حيث وصلت إلى درجة الدين، ووفقًا للقرآن الكريم؛ اتخذوا دينهم لهوا ولعبا: لقد اتخذوا اللعب على أنه دينهم !
4- نجد الدين في المجتمع الغربي على النحو التالي:
• الإيمان بالخرافات السخيفة والمضحكة.
• اتخذوا عيسى ليكون الإله الأصلي، وأحد الآلهة الثلاثة، وأنه ابن الله. وفي الوقت نفسه لا يمكن اعتبار عيسى كلا من الله وابن الله وأحد الآلهة الثلاثة: الله الأب ، والله الابن والله الأم (أو روح القدس).
• الإيمان بأن الله أراد أن ينزل إلى الأرض في صورة عيسى وأن يُصلب حتى يصير دمه كفارة وفدية عن جميع ذنوب النصارى! هذا غريب، أرادوا أن يمثلوا خالق السماوات والأرض وهذا الكون الشاسع واللانهائي، بهذه الصورة! نزل من السماء إلى الأرض، أخذ مكانه في رحم الأم، وولد كالطفل، أرضعته أمه سنتان غسله غسل التعميد، احتاج إلى طعام وشراب، تم اعتقاله من قبل رجال الدين اليهود وتسليمه إلى الرومان، وسجنه، ويعتقدون أنه صلب .. كل هذا لأن دمه فدية لإنقاذ المسيحيين؟!
• عدة حركات شكلية وبدون محتوى ومضحكة للغاية باسم العبادة الدينية !
• تشبيه الله بالإنسان، والاعتقاد بأن الله، خلق الإنسان على صورته، صنع تمثاله من الطين ونفخ فيه بعضا من روحه وعاد إلى الحياة. أراد أن يختار رفيقه من الحيوانات، لكنه لم يجد بينهم زوجته المحبوبة، نام، خلق إلهه من ضلعه اليسرى نتيجة لعملية جراحية، زوجة فلما استيقظ أعجبته واختارها، وقال: هذه من جنس نفسي!
• معتقدين أن المعمودية فقط، بيد كاهن، وتناول لقمة من يده يكفي لإنقاذه وجعله نصرانيا.
• بيع وشراء وثيقة الجنة.
• الإيمان بالنبوءات السخيفة التي جاءت في الكتاب المقدس، التوراة والإنجيل ومجموعهما (بايبل).
• جعل الكاهن ممثلاً عن الله والمسيح، وتسليمه نصيب الله، وشراء وثائق السماء منه بالمال، وبالتالي توفير حياة مزدهرة وسلمية لمئات الآلاف من الكهنة والرهبان الأكالين بالمجان. في الإسلام حق الله في مال المؤمنين والأثرياء يعطى للفقراء، وليس لطائفة دينية معينة.
• انتظار عودة المسيح عليه السلام وسيطرة النصارى على العالم أجمع.
لو قمت بفحص كل قسم من أقسام الأنظمة الغربية في ضوء التوجيهات القرآنية، ووضعتها إلى جانب الصفات التي ينسبها القرآن إلى الشيطان، ستصل بالتأكيد إلى نتيجة مفادها أن الأنظمة الغربية قد تم نسخها من النظام الذي يريده الشيطان. لو استطاع الشيطان أن يؤسس حكومته على الأرض، لكانت حتما مشابهة تمامًا للأنظمة الغربية !
سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ.
